سيد قطب

2641

في ظلال القرآن

ويسدل الستار على هذا المشهد العنيف وينصرف الرسل ، ويدعهم السياق لا يشير إليهم بكلمة كأنما قضي الأمر ، وانتهى الكلام في هذا الشأن . ثم إذا سليمان - عليه السّلام - يدرك أن هذا الرد سينهي الأمر مع ملكة لا تريد العداء - كما يبدو من طريقتها في مقابلة رسالته القوية بهدية ! - ويرجح أنها ستجيب دعوته . أو يؤكد . وقد كان . ولكن السياق لا يذكر كيف عاد رسلها إليها ، ولا ما ذا قالوا لها ، ولا ما ذا اعتزمت بعدها . إنما يترك فجوة نعلم مما بعدها أنها قادمة ، وأن سليمان يعرف هذا ، وأنه يتذاكر مع جنوده في استحضار عرشها ، الذي خلفته في بلادها محروسا مصونا : « قالَ : يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ؟ قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ . وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ . قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ : أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ » . . ترى ما الذي قصد إليه سليمان - عليه السّلام - من استحضار عرشها قبل مجيئها مسلمة مع قومها ؟ نرجح أن هذه كانت وسيلة لعرض مظاهر القوة الخارقة التي تؤيده ، لتؤثر في قلب الملكة وتقودها إلى الإيمان باللّه ، والإذعان لدعوته . وقد عرض عفريت من الجن أن يأتيه به قبل انقضاء جلسته هذه . وكان يجلس للحكم والقضاء من الصبح إلى الظهر فيما يروى . فاستطول سليمان هذه الفترة واستبطأها - فيما يبدو - فإذا « الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ » يعرض أن يأتي به في غمضة عين قبل أن يرتد إليه طرفه ، ولا يذكر اسمه ، ولا الكتاب الذي عنده علم منه . إنما نفهم أنه رجل مؤمن على اتصال باللّه ، موهوب سرا من اللّه يستمد به من القوة الكبرى التي لا تقف لها الحواجز والأبعاد . وهو أمر يشاهد أحيانا على أيدي بعض المتصلين ، ولم يكشف سره ولا تعليله ، لأنه خارج عن مألوف البشر في حياتهم العادية . وهذا أقصى ما يقال في الدائرة المأمونة التي لا تخرج إلى عالم الأساطير والخرافات ! ولقد جرى بعض المفسرين وراء قوله : « عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ » فقال بعضهم : إنه التوراة . وقال بعضهم : إنه كان يعرف اسم اللّه الأعظم . وقال بعضهم غير هذا وذاك . وليس فيما قيل تفسير ولا تعليل مستيقن . والأمر أيسر من هذا كله حين ننظر إليه بمنظار الواقع ، فكم في هذا الكون من أسرار لا نعلمها ، وكم فيه من قوى لا نستخدمها . وكم في النفس البشرية من أسرار كذلك وقوى لا نهتدي إليها . فحيثما أراد اللّه هدى من يريد إلى أحد هذه الأسرار وإلى واحدة من هذه القوى فجاءت الخارقة التي لا تقع في مألوف الحياة ، وجرت بإذن اللّه وتدبيره وتسخيره ، حيث لا يملك من لم يرد اللّه أن يجريها على يديه أن يجريها . وهذا الذي عنده علم من الكتاب ، كانت نفسه مهيأة بسبب ما عنده من العلم ، أن تتصل ببعض الأسرار والقوى الكونية التي تتم بها تلك الخارقة التي تمت على يده ، لأن ما عنده من علم الكتاب وصل قلبه بربه على نحو يهيئه للتلقي ، ولاستخدام ما وهبه اللّه من قوى وأسرار . وقد ذكر بعض المفسرين أنه هو سليمان نفسه - عليه السّلام - ونحن نرجح أنه غيره . فلو كان هو لأظهره السياق باسمه . ولما أخفاه . والقصة عنه ، ولا داعي لإخفاء اسمه فيها عند هذا الموقف الباهر . وبعضهم قال : إن اسمه آصف ابن برخيا ولا دليل عليه .